الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
240
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
" مثقال " يعني الثقل ، فإن التعبير بمثقال ذرة يعني جسما في غاية الدقة والصغر . إن الآية الحاضرة تقول : إن الله لا يظلم قط زنة ذرة ، بل يضاعف الحسنة إذا قام بها أحد ، ويعطي من لدنه على ذلك أجرا عظيما : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنها أجرا عظيما . إن هذه الآية - في الحقيقة - تقول للكافرين الذين يبخلون والذين مر الحديث عن أحوالهم في الآيات السابقة : إن العقوبات التي تصيبكم ما هي في الحقيقة إلا جزاء ما قمتم به من الأعمال ، وأنه لا يصيبكم أي ظلم من جانب الله ، بل لو أنكم تركتم الكفر والبخل وسلكتم طريق الله لنلتم المثوبات العظيمة المضاعفة . ثم أنه لابد من الانتباه إلى أن لفظة " ضعف " و " المضاعف " تعني في اللغة العربية ما يعادل الشئ أو يربو عليه مرات عديدة ، وعلى هذا الأساس لا تنافي هذه الآية الآيات الأخرى التي تقول : إن أجر الإنفاق قد يصل إلى عشرة أضعاف ، وقد يصل إلى سبعمائة مرة . . . وعلى أي حال فإنها تحكي عن لطف الله بالنسبة إلى عباده ، حيث لا يعاقبهم على سيئاتهم وذنوبهم بأكثر مما عملوا ، بينما يضاعف الأجر بمرات كثيرة إذا أتوا بحسنة واحدة . يبقى أن نعرف لماذا لا يظلم الله سبحانه ؟ فإن السبب فيه واضح ، لأن الظلم عادة - إما ناشئ عن الجهل ، وإما ناشئ عن الحاجة ، وإما ناشئ عن نقص نفسي . ومن كان عالما بكل شئ ، وكان غنيا عن كل شئ ، ولم يكن يعاني من أي نقص ، لا يمكن صدور الظلم منه ، فهو لا يظلم أساسا ، لا أنه تعالى لا يقدر على الظلم ، ولا أن الظلم غير متصور في حقه ( كما تذهب إليه طائفة من الأشاعرة ) ، بل مع قدرته تعالى على الظلم - لا يظلم أبدا لحكمته وعلمه ، فهو يضع كل شئ في عالم الوجود موضعه ، ويعامل كل أحد حسب عمله ، وطبقا لسلوكه وسيرته . * * *